يُعدّ اضطراب تعدد الشخصيات، المعروف علميًا باسم اضطراب الهوية الانفصامية (Dissociative Identity Disorder – DID)، من الاضطرابات النفسية المعقّدة التي تؤثر على هوية الإنسان وإحساسه بذاته.
ويتميّز هذا الاضطراب بوجود أكثر من هوية أو حالة شخصية داخل الفرد الواحد، لكل منها نمطها الخاص في التفكير والشعور والسلوك.
أولاً: تعريف اضطراب تعدد الشخصيات
اضطراب الهوية الانفصامية هو حالة نفسية يحدث فيها انقسام في الهوية الواحدة إلى هويات متعددة، نتيجة آلية دفاع نفسية يلجأ إليها العقل غالبًا هروبًا من صدمات شديدة أو متكررة، خاصة في مرحلة الطفولة. وقد تختلف هذه الشخصيات في العمر، أو الجنس، أو السلوك، أو حتى نبرة الصوت وطريقة الحديث.
ثانيًا: أسباب اضطراب تعدد الشخصيات
ترتبط أسباب هذا الاضطراب غالبًا بتجارب صادمة مبكرة، ومن أبرزها:
التعرض لإساءة جسدية أو نفسية أو جنسية في الطفولة.
الإهمال العاطفي الشديد أو الحرمان.
العيش في بيئة غير آمنة مليئة بالخوف والتهديد.
عدم وجود شخص داعم يساعد الطفل على التعامل مع الصدمة.
ويكون الانفصال النفسي وسيلة لا شعورية لحماية النفس من الألم.
ثالثًا: أعراض اضطراب تعدد الشخصيات
تختلف الأعراض من شخص لآخر، لكنها غالبًا تشمل:
وجود هويتين أو أكثر تتناوب على السيطرة على السلوك.
فجوات في الذاكرة (نسيان أحداث يومية أو مواقف مهمة).
الإحساس بالانفصال عن الذات أو عن الواقع.
تغيّرات مفاجئة في المزاج والسلوك.
صداع أو تعب دون سبب عضوي واضح.
سماع أصوات داخلية تمثل شخصيات أخرى.
وقد يصاحب الاضطراب مشكلات نفسية أخرى مثل الاكتئاب، القلق، أو اضطراب ما بعد الصدمة.
رابعًا: الفرق بين اضطراب تعدد الشخصيات والتقلب المزاجي
من المهم التمييز بين الاضطراب والتغير الطبيعي في المشاعر:
التقلب المزاجي: تغيّر في المشاعر مع بقاء الهوية واحدة.
اضطراب تعدد الشخصيات: تغيّر في الهوية نفسها مع فقدان جزئي للذاكرة.
خامسًا: تشخيص اضطراب تعدد الشخصيات
يُشخَّص الاضطراب من قبل مختص نفسي، اعتمادًا على:
المقابلات السريرية المتعمقة.
التاريخ النفسي والصدمي للمريض.
استبعاد الاضطرابات الأخرى أو الأسباب العضوية.
ولا يُعد التشخيص أمرًا بسيطًا، إذ قد يستغرق وقتًا طويلًا.
سادسًا: علاج اضطراب تعدد الشخصيات
العلاج ممكن لكنه يحتاج إلى صبر واستمرارية، ومن أبرز أساليبه:
العلاج النفسي طويل الأمد (خاصة العلاج المعرفي والداعم).
العمل على دمج الهويات أو تحقيق التعايش الصحي بينها.
علاج الصدمات النفسية تدريجيًا وبأمان.
استخدام الأدوية لعلاج الأعراض المصاحبة مثل الاكتئاب أو القلق (وليس الاضطراب نفسه).
سابعًا: نظرة المجتمع والتصورات الخاطئة
يعاني المصابون من سوء الفهم والوصم الاجتماعي، ومن أبرز الأخطاء الشائعة:
اعتباره تمثيلًا أو مبالغة.
الخلط بينه وبين الجنون أو العنف.
والصحيح أنه اضطراب نفسي إنساني ناتج عن معاناة عميقة، ويحتاج إلى احتواء وعلاج.
اضطراب تعدد الشخصيات هو انعكاس لألم نفسي شديد لم يجد صاحبه وسيلة آمنة للتعامل معه في وقت مبكر من الحياة. ومع الدعم النفسي الصحيح، والعلاج المتخصص، يمكن للمصاب أن يستعيد توازنه ويعيش حياة أكثر استقرارًا. ويبقى الوعي المجتمعي والرحمة من أهم مفاتيح الشفاء.
الصحة النفسية
التعليقات